حكومةالجعفري تخطط لفتنة طائفية وحرب أهلية
هارون محمد
كان واضحاً منذ احتلال العراق في التاسع من نيسان (ابريل) 2003 أن التنظيمات
الشيعية والاحزاب الكردية التي تعاونت مع واشنطن وشاركت في التشكيلات التي انشأتها
قوات الاحتلال، تخطط لمشروع سياسي قريب المدي، يقوم علي تقسيم العراق لمنطقتي نفوذ
كردية تتحكم في محافظات اربيل والسليمانية ودهوك والحاق كركوك واقضية وبلدات في
محافظتي الموصل وديالي بها، وشيعية تسيطر علي محافظات الفرات الاوسط والجنوب وعزل
بغداد ومحافظات الانبار وديالي وصلاح الدين والموصل، انطلاقاً من مفهوم فج يقول ان
سكانها انتفعوا من النظام السابق وباتوا غير مستعدين للقبول بحكم الآخرين او
مشاركتهم.
وخلال العامين المنصرمين، ثبت ميدانياً وسياسياً أن هذا المشروع التقسيمي أخذ مديات
واسعة، واستغلت التنظيمات الشيعية ونظيرتها الكردية التورط الامريكي في المستنقع
العراقي وفشل سلطات الاحتلال في اجراءاتها المتخبطة لاعادة الامن والاستقرار
والخدمات، في تسويق أجندتها وأغراضها في الاستحواذ علي مواقع ومناصب تتيح لها
التحرك والنشاط في ترويج أهدافها في ظل حكومة اياد علاوي الهزيلة، التي انصرف
وزراؤها ومسؤولوها الي الانتفاع الشخصي والكسب الحرام وعقد الصفقات وتعميم الفساد،
والتردد في اتخاذ قرارات تخدم الصالح العام واعادة القانون ونظام المؤسسات الذي ساد
العراق الحديث منذ تأسيسه في عشرينات القرن الماضي.
وعندما يتم تقسيم محافظات الفرات الأوسط والجنوب الي مناطق نفوذ، محافظة تتبع
المجلس الشيعي الاعلي واخري تخضع للمرجعية وثالثة لحزب الدعوة ورابعة لميليشيات بدر
وخامسة لحزب محمداوي وهكذا، في الوقت الذي انتهي الحزبان الكرديان من تصنيف
المحافظات الكردية الي بارزانية وطالبانية، فان مشروع تقسيم العراق طائفياً وعرقياً
صار واقعاً لا يتطلب غير الاعلان عنه بشكل رسمي، ولا يستبعد ان تكون نهاية العام
الحالي الموعدد المحدد لهذا الاعلان، خصوصاً وان حكومة الجعفري الشيعية الكردية
تسير في هذا الاتجاه قبل تشكيلها، من خلال مؤتمرات واجتماعات مرة لانشاء اقليم
الجنوب ومرة اخري لفيدرلة النجف وكربلاء وثالثة لاطلاق كيان محافظات الفرات الاوسط،
وهذه الفعاليات تنظمها قيادات في الاحزاب الشيعية ويتم التداول فيها علناً بضرورة
تكوين كيانات مستقلة عن المركز في بغداد بحجة التنظيم الاداري والتوزيع العادل
للثروات ورفع المظلومية عن الشيعة، حتي وصل الامر باصوات تدعو الي الاستيلاء علي
آبار وحقول النفط في البصرة والعمارة والاتفاق مع الشركات الامريكية لاستحصال
ايرادات ومبيعات النفط المصدر الي الخارج، بمعزل عن بغداد، وليس مستبعداً ان يكون
اصرار احمد الجلبي علي تسلم وزارة النفط جزءا من هذه الخطط، باعتباره اول من دعا
الي تخصيص نسبة من مبيعات النفط لاقليم الجنوب وهو أحد الساعين الي تأسيسه.
وقد تأكد من المشاورات التي سبقت تشكيل حكومة ابراهيم الجعفري ان الاتجاه الذي
اعتمده فريق الائتلاف الشيعي في مفاوضاته مع الاطراف الاخري وخاصة التحالف الكردي،
كان يتركز علي ابعاد السنة العرب عن الحكومة، بدعوي انهم لا ينسجمون مع الشيعة
والكرد، وقاطعوا انتخابات الثلاثين من كانون الثاني (يناير) الماضي، ويصرون علي رفض
ما يسمي بـ(العملية السياسية) ويسعون الي العودة للسلطة والحكم من جديد، حتي وصل
الامر باحد قادة الائتلاف خضير الخزاعي الي التصريح علناً برفض مرشح سني لوزارة
الدفاع قائلاًبالفم المليان: من يضمن انه لا يقود انقلاباً عسكرياً علينا؟! علماً
بان هذا المرشح وهو ضابط صغير في الامن العام سابقاً، وانخرط في المشروع الامريكي
للتغيير كما كان يسمي، وشارك في دورات تدريبية وورش عمل امريكية نظمت في واشنطن
ولندن قبل الحرب الاخيرة علي العراق، أي انه مضمون امريكياً وليست له علاقة بالسنة
العرب من الناحية السياسية، ولكنه ما دام سنياً عربياً بالانتماء، وليس جزءا من
الائتلاف فانه يبقي مصدر هواجس وخطر متوقع.
واتضح أيضاً من خلال ستة اجتماعات عقدها الجعفري وفريق الائتلاف المفاوض المعاون
له، مع مجلس الحوار الوطني وهو هيئة سنية عربية، وافق مؤسسوها واعضاؤها علي
الاشتراك في الحكومة الانتقالية التي تم الاعلان عنها في الثامن والعشرين من الشهر
الماضي، ان منهج الائتلاف الشيعي يستند الي اقصاء السنة العرب تماماً من الحكومة،
والتلاعب بجماعة الحوار والضحك عليهم، فعندما رشح الحواريون احد اعضائهم لشغل منصب
نائب رئيس الوزراء، أعترض عليه الائتلاف علي اعتبار انه كان قائداً عسكرياً سابقاً،
وشارك في الحرب مع ايران، واضطر مجلس الحوار الوطني الي ترشيح شخص آخر بدلاً له،
وكانت المفاجأة ان الائتلاف رفضه ايضاً وعاد الي الاسم الاول الذي اعترض عليه في
البداية دون ان يبت في أمر تعيينه نهائياً.
وفيما يتعلق بالمناصب الوزارية الخمسة المخصصة للسنة العرب، عمل الائتلاف الشيعي
علي جر مجلس الحوار وجبهة القوي الوطنية الي منزلق المحاصصات الطائفية وطلب من
الهيئتين ان ترشح كل منهما خمسة وزراء، وقد استجابت الهيئتان مع الاسف الي هذه
الدعوة المشبوهة، وكانت النتيجة ان الائتلاف رشح هو الاخر خمسة من اعضائه، ورشح
التحالف الكردي خمسة آخرين، وهكذا بات عشرون مرشحا ينتظرون لطف قادة الائتلاف
لتعيينهم في الوزارات الخمس في لعبة واضحة النوايا والمقاصد. وأصبح معروفاً ان
الائتلاف يتجه الي تقليص الحقائب الوزارية الخمس الي اربع، بحيث تكون حصته وزارتين
والدلائل تشير الي انهما ستكونان من نصيب مضر شوكت وفواز جربا اللذين فازا في
الانتخابات الاخيرة ضمن قائمة الائتلاف وباصوات الشيعة، فيما ستخصص الوزارتان
المتبقيتان الي التحالف الكردي ليختار الوزيرين لهما من المقربين اليه.
وتمضي اللعبة في مسارها المرسوم طائفياً، عندما يعلن عبدالعزيز الحكيم رئيس
الائتلاف الشيعي في كلمته امام الجمعية الوطنية في الثامن والعشرين من الشهر الماضي
ان حكومة الجعفري ملتزمة بمواجهة الارهاب وملاحقة مجموعاته واجتثاثها وهذا يتطلب ان
يتعهد الوزراء بذلك وان يتمتعوا بمواقف مشهودة وواضحة بهذا الشأن، وكذلك اجتثاث
العفالقة في جميع مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية والمواقع الحساسة وعندما نعرف
ان قادة الائتلاف يصنفون مناطق ومحافظات السنة العرب ببؤر الارهاب ويعتبرون سكانها
من أتباع النظام السابق وفلول البعثيين، فان صورة المشهد السياسي خلال المرحلة
القريبة المقبلة تبدو واضحة تماماً، عندما تضع الحكومة الجديدة في أولوياتها،
المواجهة المسلحة مع كل من يعارضها ويمتنع عن الانخراط في تأييدها وعدم السماح
للبعثيين بان يعملوا ويعيشوا ولابد ان يتم اجتثاثهم مهما كانت النتائج.
وإذا صحت المعلومات التي تفيد بان وزير الداخلية باقر صولاغ قد دعا في اول اجتماع
يراسه رسميا وهو في موقعه الجديد قادة القوات العسكرية والاجهزة الاستخبارية في
وزارتي الدفاع والداخلية مطلع الاسبوع الحالي، الي الاستعانة بميلشيات بدر الشيعية
الايرانية التأسيس والتمويل والتسليح في العمليات العسكرية والامنية، فان العراق
مقبل علي فتنة طائفية بدات تطل برأسها وتقود بلا ادني شك الي حرب أهلية.
فليس من المعقول ان يبقي السنة العرب والبعثيون صامتين وهم يتلقون الضربات تلو
الضربات، ويقتلون ويعتقلون وتهاجم مدنهم وتجمعاتهم وتخرب بيوتهم وممتلكاتهم، فالحق
الالهي والشرائع السماوية والوضعية والمواثيق الدولية والانسانية تفرض عليهم ان
يدافعوا عن انفسهم ويردوا علي الهجمات التي تستهدف تصفيتهم واجتثاثهم. والمسؤولية
الوطنية والقومية والتأريخية تحتم عليهم التصدي لكل طرف او حزب او حكومة تخطط وترسم
للقضاء عليهم او عزلهم. وواجب القوات الامريكية والمتحالفة معها، باعتبارها ما تزال
سلطات احتلالية، ان توقف الدعوات المتطرفة والنزعات الثأرية وادارة البلاد في هذه
المرحلة بالذات دون انحياز لهذا الطرف او ذاك، ونزع فتيل الانفجار الذي اذا اشتعل
فانه سيحدث شلالات دم يخطئ من يعتقد انه سيخرج سالماً او منتصراً منها.
حكومة الجعفري ستفشل لا محالة اذا التزمت بوصايا عبدالعزيز الحكيم الاجتثاثية
وتعهدت بتنفيذ اجندته الاستئصالية والفشل هنا لا ينحصر في الجانب السياسي فقط،
وانما سيمتد في اتجاهات ومسارات عدة، يفترض بالجعفري اذا كان سياسياً متفهماً لظروف
العراق ان يعيها ويدرك آثارها ونتائجها. الوضع خطير في العراق، والمستقبل القريب
ينذر بتداعيات لا تحمد عقباها علي الاطلاق، اذا استمر الائتلاف الشيعي وحكومته
الجعفرية يشحنان الاحتقان الطائفي، ويصعدان التوتر الي مستويات الاجتثاث والتصفيات،
وكل فعل له ردة فعل قد يكون أقسي، وكل حركة يرد عليها بحركة قد تكون أعنف، والعاقل
من يفكر ويتمعن ويتأمل في عمله قبل ان يقدم عليه.