طالباني يهيمن علي الجعفري بلا عناء أو تعب
هارون محمد
لعله من سوء حظ ابراهيم الجعفري المكلف بتشكيل الحكومة العراقية الانتقالية،
الثالثة في عهد الاحتلال الامريكي، ان يكون جلال طالباني رئيساً للجمهورية، وهو
سياسي متقلب الأهواء والمواقف، حاد الطباع، سليط اللسان، ومتطرف في كرديته، ومن
الصعب علي الجعفري ان يتفاهم معه الا بتقديم التنازلات له، وهذا ما سيعرضه الي
انتقادات من حزب الدعوة الذي يرأسه والمتحالفين معه من الجماعات والتنظيمات الشيعية
المؤيدة له، التي بدأ الاحباط يتسرب الي نفوس أفرادها وتشعر بالخيبة لأن قائمتها
الانتخابية لم تحرز أغلبية تمكنها من الاستحواذ علي الرئاسات الثلاث (الجمهورية
والحكومة والجمعية الوطنية).
وقد أثبت أقطاب القائمة الشيعية ومن ضمنهم ابراهيم الحعفري خلال مباحثاتهم
ومشاوراتهم مع مسعود بارزاني وجلال طالباني انهم يفتقرون الي المبادرات السياسية
وان الائتلاف الذي جمعهم هش الي درجة كبيرة بحيث لا يقوي علي مواجهة الاطراف
الاخري، واكتشفوا أيضاً خطأ تصوراتهم بأن المئة والاربعين نائباً الذين فازوا في
انتخابات الثلاثين من كانون الثاني (يناير) الماضي يمثلون كتلة نيابية قوية،
وتأكدوا أن هذا العدد يتوزع علي خمسة أجنحة، جناح للجعفري وثان للمجلس الاعلي وثالث
لأحمد الجلبي ورابع موال للمرجع السيستاني يقوده حسين شهرستاني وخامس مؤيد للخط
الصدري وسادس صغير من نفرين (رئيسه عبدالكريم محمداوي، العريف السابق الفار من
الجيش العراقي في أهوار العمارة).
ويبدو ان قادة القائمة الكردية عرفوا مواطن الضعف في القائمة الشيعية، ففي البداية
لوح طالباني وبارزاني بانهما متحالفان مع اياد علاوي ويؤيدان استمراره علي رأس
الحكومة الجديدة، الأمر الذي أفزع الجعفري وجعله يهرع الي اربيل والسليمانية
ليستجدي تأييدهما رغم ان الأصول تقتضي ان يظل في بغداد، ويستدعي الآخرين، ويتشاور
معهم، ما دام مكلفاً بتشكيل حكومة يقول عنها انها عراقية ذات طبيعة مركزية.
وفي المرحلة الثانية بدأ طالباني وبارزاني يتلاعبان بالجعفري وتمكنا من وضعه في
زاوية حرجة عندما صعدا من سقف مطاليبهما بطريقة استفزازية وابتزازية، ولم يكتفيا
بطرح مشاريع انفصالية مثل إقرار الفدرالية الكردية منذ الآن، والحاق مدينة كركوك
بالمنطقة الكردية، وتخصيص خمسة وعشرين بالمئة من ايرادات ونفط الدولة للمنطقة،
والإبقاء علي ميليشيات الـ(بيش ميركه) التابعة للحزبين علي أوضاعها الحالية دون
ربطها بالقوات المسلحة او حلها، وانما راحا يصرحان بتحد سافر بانهما لا يسمحان
للجيش العراقي بالتواجد في منطقتهما، رغم ان رئيس اركان الجيش العراقي ومفتش عام
وزارة الدفاع كرديان يداومان في بغداد، ويرفض طالباني وبارزاني رفع العلم العراقي
الرسمي الحالي في المقاطعتين اللتين يسيطران عليها، وينشران علماً اصفر هو علم
(المرحومة) جمهورية مهاباد الكردية الايرانية ذات الحكم الذاتي، التي انشأها
الاتحاد السوفييتي السابق في شمال ايران مطلع عام 1946، نكاية بالانكليز والامريكان
ولم تعش غير تسعة اشهر عندما رفع السوفييت ايديهم عنها وانهارت الي غير رجعة.
وعندما يسجل تأريخ العراق في المستقبل حادثة انتخاب جلال طالباني رئيساً للجمهورية
ولو لثمانية اشهر، وهو الذي لا يصلح لمثل هذا الموقع من جميع النواحي الشخصية
والسياسية لانه لا يؤمن بوحدة العراق، ويسعي الي تقسيمه وتقطيع اوصاله وفصل اجزاء
منه وفدرلته، فان الإدانة ستتجه الي (فرسان) القائمة الشيعية ومن وقف معهم وأيدهم
وبارك انتخابهم، فوقفتهم مع طالباني لتنصيبه رئيساً للبلاد، مؤامرة خبيثة ساهموا في
صياغتها بهدف إذلال عرب العراق وفصلهم عن أسرتهم العربية والسعي الي تحويل هذا
البلد العربي الي قاعدة امريكية صهيونية لضرب الدول العربية وفي مقدمتها سورية
وزعزعة الأوضاع في تركيا ومحاصرة ايران، فالتأريخ قد يغفر لبعض من اخطأ أو ارتكب
حماقة في حق بلده وشعبه، ولكنه لن يرحم من يعمل علي تجزئة الوطن، وفق محاصصات عرقية
وطائفية وفئوية ويقسمه الي اقطاعيات وفدراليات.
وفي التقييم الموضوعي لا بد من التذكير بأن الجعفري بمواصفاته الطائفية كرئيس لحزب
الدعوة الشيعي الذي أنشأه الايراني مهدي اصفي، وليس الراحل الكبير والمجاهد العراقي
العربي محمد باقر الصدر كما يزعمون، يلتقي مع جلال طالباني في توجهاته الانفصالية،
ولكنه ـ أي الجعفري ـ لا يقدر سياسياً علي مجاراة طالباني الذي يتميز بالحيلة
والدهاء والخفة والكر والفر حسب الظروف، فالفارق بين الاثنين كبير، والتوازن بينهما
مفقود، وفي المحصلة فان كفة طالباني ستكون هي الارجح دائماً وسيجبر الجعفري علي
الرضوخ والاستجابة له.
وصحيح ان طالباني كان الي وقت قريب يحبذ ان يستمر اياد علاوي شريكاً له في رئاسة
الحكومة، ليشكل معه ثنائياً مقرباً من واشنطن، ولكن الصحيح ايضاً ان ابراهيم
الجعفري المستجد في (الكار) الامريكي قياساً الي علاوي ـ زمنياً علي الأقل ـ يفتقر
الي مواهب أياد في الادعاءات وتسريح (القنافذ) بلا حساب، والغلو في التصريحات، وهذا
كله في صالح طالباني الذي سيضع الجعفري المتهافت علي رئاسة الحكومة رهن اشارته،
وانتظروا كيف سيتعامل معه، وكيف سيحشره في مواقف محرجة، وكيف سيبزه ويجعله يهرول
خلفه؟ رغم ان منصب رئيس الوزراء هو الاعلي مرتبة وسلطة ومسؤولية، وصاحب صلاحيات
تنفيذية واسعة، بينما رئيس الجمهورية هو كما ينص قرار بريمر المسمي بـ(قانون إدارة
الدولة الانتقالي) مجرد موقع فخري ورمزي ويشاركه اثنان في التوقيع والمصادقة علي
المراسيم والقرارات، هما نائباه الاول عادل عبدالمهدي والثاني غازي الياور.
والإختلاف بين طالباني والجعفري ظهر في اول يوم من تكليف الثاني بتشكيل الحكومة
الجديدة، عندما أبدي الجعفري تحفظه علي قرار العفو الذي اعلنه طالباني علي من
اسماهم بالمخدوعين والمنخرطين في الارهاب، ولكن لاحظوا اللغة الملائية التي تحدث
بها المتحفظ عندما دعا الي تصنيف الجرائم القائمة علي معايير شرعية راسخة، دون ان
يفصح عن هذه (المعايير الشرعية) وماهيتها وكيفية استخلاصها وتطبيقها، الامر الذي
يوحي بأن الجعفري لم يرغب في الاعتراض علي دعوة طالباني صراحة خوفاً من لسانه
الطويل وعصبيته الزائدة عن اللزوم، والا لو كان ابراهيم صريحاً وواضحاً لقال ان
الدعوة الطالبانية خطأ وانا اعترض عليها ولا اوافق علي مضمونها، وان جلال تسرع في
إطلاقها وهو الذي لا يملك صلاحيات البت في مثل هذه الامور المسؤول عنها مجلس
الوزراء الذي أنا رئيسه المكلف وليس رئيس الجمهورية.
ومن هنا فان المرحلة المقبلة ستشهد حالة جديدة في الاداء السياسي، تختلف عن الحالة
السابقة الممثلة بـ(علاوي والياور) حيث ستنقلب الصورة تماماً، الذي يحكم هو طالباني
والذي ينفذ هو الجعفري، وليس كما كان يحدث قبل شهور، فرئيــــس الحكومة اياد علاوي
كان يهيمن ويسيطر وغازي الياور يتفرج ويتحسر.
وتبقي حقيقة لا بد من الاشارة اليها، وهي ان ما يجري في العراق منذ الاحتلال قبل
عامين والي يومنا الحاضر، هو لعبة امريكية مرسومة مسبقاً، خيوطها بيد خمسة من
المسؤولين الامريكيين يمثلون البيت الابيض والبنتاغون والخارجية والسي آي ايه
والكونغرس يقيمون في قصر دجلة بالمنطقة الخضراء، حيث ينتظر علي بوابته الخارجية
المطلة علي شارع أم العظام القديم، طابور من الوكلاء والعملاء والمتعاونين كل يوم،
لتلقي التوجيهات والايعازات والاوامر والتعليمات، وهؤلاء الخمسة الكبار كما يسميهم
أزلامهم في بغداد والنجف واربيل والسليمانية، هم الذين يحكمون العراق من خلف
الكواليس، وهم الذين صمموا صيغة التشكيلات الجديدة، ابراهيم الجعفري الشيعي الطائفي
لرئاسة الحكومة، وجلال طالباني الكردي الانفصالي لرئاسة الجمهورية، في أمريكا منذ
ربع قرن حاجم الحسني لرئاسة الجمعية الوطنية، وهذا الخماسي الامريكي يتحكم
بالحزبيين والسياسيين المتعاونين مع واشنطن علي طريقة (المافيا) ولكن بلا إطلاق نار
واغتيالات، وانما تصعيد هذا وتنزيل ذاك، حسب ما تقتضيه المصلحة الامريكية، وبات
واضحاً ان الخمسة يدفعون بطالباني الي الواجهة، ويعمدون الي تهميش الجعفري ويعملون
علي افشاله في مهمته لاحقاً، ليس لانه لا يستجيب لهم، فهو مستعد بالكامل لما يطلبون
ويرغبون، ولكن الامريكان وهذا أصبح استراتيجية ثابتة لهم، يظلون متوجسين من كل شخص
له سمات أو اهتمامات اسلامية، شيعية ام سنية، حتي لو كان من أشد المؤيدين لهم
والمدافعين عنهم، وابراهيم الجعفري لو أشعل العشرة من اصابعه خدمة وبذلاً
للامريكيين فانه يظل في نظرهم شيعي خميني من جماعة ايران، يؤمن بالتقية ويظهر خلاف
ما يبطن، وبالتالي لا يثقون به حتي لو توجه بصلاته نحو البيت الابيض في واشنطن
بدلاً من البيت الحرام في مكة المكرمة، والايام بيننا!