دالت دولة بريمر ولكن أذنابه ما زالوا يعبثون..!

هارون محمد

كأي استعماري قبيح، يحمل في أعماقه روح الكراهية والنظرة الدونية للشعوب والبلدان والأمم الاخرى، غادر بول برايمر بغداد خلسة، ولم يكن في وداعه غير مواطنه الامريكي من اصول كردية برهم صالح، رئيس حكومة الطالباني في مدينة السليمانية ونائب رئيس الحكومة المؤقتة في بغداد، تلاحقه لعنات العراقيين ودعواتهم الى الله جلت قدرته ان يكسر رقبته، جراء ما ارتكبه من جرائم وانتهاكات، وما اقترفه من خطايا وحماقات، خلال فترة حكمه الاسود على امتداد أكثر من عام، وستظل صورة هذا (الخفيف) صاحب الوجه الغلماني والسلوك الصبياني والمنهج العدواني، عالقة في الذاكرة العراقية، رمزاً للبلطجة الامريكية، تستفز أهل الغيرة والحمية الوطنية، لمواصله العمل والنضال، حتى خروج آخر جندي امريكي وانهاء الاحتلال بكل اشكاله.

      ولان برايمر حالة دكتاتورية وجزء في منظومة استعمارية، كان يدرك سلفاً بانه كشخص ممثل لحكومته في بلد محتل، انه لن يستمر طويلاً في وظيفته، وكان يعرف ايضاً انه مكلف باجندة محددة ينفذها ثم يعود الى بلاده ليحصل على المكافأة مقابل خدمته وخدماته، فانه عمد في الأسابيع القليلة التي سبقت انفكاكه من موقعه، الى اصدار سلسلة من القوانين والقرارات والتعيينات الجائرة مستغلاً الصلاحيات التي منحها لنفسه كحاكم مطلق، غير مكترث بما تلحقه اجراءاته من نتائج وخيمة وأذى واضرار بحاضر العراق ومستقبله.

واستناداً الى صحيفة (واشنطن بوست) الامريكية في عددها الصادر يوم الاحد الماضي، فانه اصدر عشرات المراسيم الجديدة وعين مئات الاشخاص في مواقع حكومية مهمة بعقود مدتها عدة سنوات، في محاولة منه لدعم استمرار مفاهيمه الخاصة بشأن طريقة الحكم، وتوضح الصحيفة ان هذه المراسيم تحد من سلطات الحكومة المؤقتة وتفرض عليها اجندة امريكية ملزمة.

وتكشف الصحيفة الامريكية عن قانون سري بالغ الخطورة أصدره برايمر في الرابع عشر من حزيران/يونيو الماضي، اي قبل مغادرته بغداد باسبوعين، منح بموجبه لجنة من سبعة اشخاص صلاحيه منع اي مرشح او حزب سياسي عراقي من خوض الانتخابات التي يقال انها ستتم في مطلع العام المقبل.

ومن القرارات الخطيرة التي اصدرها برايمر قراران يقيدان الحريات الصحفية والانشطة الاعلامية في العراق، يتضمن القرار الاول تشكيل هيئة عليا للاعلام العراقي وضع على رأسها احد الاكراد المعروفين بارتباطاتهم الوثيقة والقديمة  مع الاجهزة الامريكية، وهو شخص لا علاقه له بالصحافة والاعلام

 وكل كفاءته انه يتقن الانكليزية، وهو نفسه صاحب دراسة (تفكيك الاعلام العراقي والغاء وزارة الاعلام وطرد منتسبيها) التي قدمها الى البنتاغون في مطلع العام 2003 وقبض ثمناً لها قدره ربع مليون دولار، كما اكد ذلك بوب برايلي المستشار الاعلامي للجنرال جي غارنر، أول حاكم امريكي على العراق عقب احتلاله.

      ولأنه مقطوع الجذور عن العراق ولا يعرف عنه شيئاً فقد ضمن دراسته البنتاغونية، معلومات تطفح بالجهل عن الصحافة والاعلام في العراق، وتتهم الصحفيين والاعلاميين العراقيين والعاملين في وزارة الاعلام والدوائر التابعة لها، بانهم جميعاً من اتباع صدام - هكذا مرة واحدة - وحرض الامريكان على حل الوزارة، وتسريح منتسبيها ورميهم في الشارع، ومحاربة الصحفيين الذين صمدوا وصابروا وبقوا في العراق لانهم في رأيه جزء من النظام السابق، وتصوروا كيف ان (عبقريته) المفرطة في دقتها، عندما يقول في دراسته التفكيكية، ان وزارة الاعلام هي عبارة عن دائرة للرقابة ومحطتي اذاعة وتلفزيون ووكالة الانباء العراقية، وعن الاخيرة، يقول ان صدام حسين انشأها عندما اصبح رئيساً عام 1979 للدعايه له، دون ان يعرف ان الزعيم عبدالكريم قاسم رحمه الله اسسها عام 1959 .

وعندما يختار برايمر هذا الشخص الذي ألب الامريكان على الصحفيين والاعلاميين العراقيين رئيساً لهيئة الاعلام في العراق، فان الهدف واضح، ويتمثل في تشجيعه على مواصلة تخريبه للاعلام والصحافة ودعم مشروعه التفكيكي، السيء الصيت والاسم، وآخر ممارسات هذا الكردوأمريكاني، انه اتصل بعدد من أنصاف الاميين والمثقفين المزيفين المتهافتين في تأييدهم لأمريكا والمدافعين عن احتلالها للعراق، وأغلبهم لاجئون في اوربا، وطلب منهم مواصلة شتم المقاومة العراقية وتجريح أهل الفلوجة، والاستمرار بمهاجمة الزعيم الشيعي الشاب مقتدى الصدر، والتضامن مع أحمد الجلبي (من تحت لتحت) واعتباره محرر العراق، ولولا جهوده لما جاء الامريكان وأسقطوا صدام، وأبلغهم ان الذي ينشط منهم سيعينه في الدوائر والملحقيات الثقافية والاعلامية في السفارات العراقية عند افتتاحها قريبا (ومن هالمال حمل زمـ ...) كما تقول الحكاية البغدادية القديمة.

      ولم يكتف برايمر الملعون بهذه الهيئة وانما شكل هيئة اخرى اسماها هيئة البث العراقية وجاء بأثنين من زوار اسرائيل الدائميين ممن يفاخران بصلاتهما مع الليكوديين وانخراطهما في المشروع الصهيوني المتآمر على العراق والامة العربية، ونصبهما مسؤولين في مجلس ادارتها، الذي مهمته اجازة الصحف والمطبوعات والترخيص لمحطات الاذاعة والتلفزة وممارسة الرقابة على الصحافة والاعلام في المرحلة المقبلة، علماً بان جهات امريكية وصهيونية انشأت لاحد الاثنين مؤسسة مشبوهة أطلق عليها اسم (الذاكرة) من اهدافها السعي الى تعويض اليهود الذي تركوا العراق عند تأسيس الكيان الصهيوني في فلسطين بمليارات الدولارات من الاموال العراقية، مع ان الوثائق التأريخية تؤكد ان اليهود المهاجرين من العراق الى الدولة اليهودية باعوا املاكهم وممتلكاتهم وقبضوا أثمناها نقداً وعداً، واسقطوا جنسياتهم العراقية طوعاً، بعد ان تنكروا للبلد الذي آواهم وحماهم وأطعمهم ووفر العيش الكريم لهم، وكثر منهم صارت له شركات واستثمارات في اوربا وامريكا رأسمالها واصولها كلها من خير العراق وموارده.

اما الثاني فهو من منافقي النظام السابق، وأحد مرتزقته منذ ايام شفيق الكمالي، ومن (أمجاده) انه كان يرافق العديد من المسؤولين السابقين خلال زياراتهم الى ايران خلال النصف الثاني من السبعينات ولقاءاتهم مع اللاجئين الاكراد العراقيين هناك لاقناعهم بالعودة الى العراق كمترجم من العربية الى الكردية، وفي واحدة من مهماته هناك تعرض الى الضرب المبرح من نساء كرديات عراقيات في مخيم على الحدود، خلال مرافقته وترجمته لمنال الالوسي رئيسة اتحاد النساء، عندما زارت ايران على رأس وفد نسوي للاجتماع مع النسوة الكرديات اللاجئات هناك، وتبين انه خرج على كلام الالوسي وترجم حديثها الى الكردية وفق هواه ومزاجه ساخرا ومتهكما على الكرديات المسكينات بطريقة غير لائقة، الامر الذي دفع برئيسة اتحاد النساء الى اقتراح عقوبته ادارياً نتيجة تجاوزه لحدود وظيفته، ولكن الكمالي رحمه الله وغفر ذنوبه، وهو رئيسه في العمل لم يأخذ بالاقتراح، وانما سعى لتسهيل سفره الى لندن، وتشغيله في المركز الثقافي التابع للسفارة العراقية اولاً، ثم الحاقه بالعمل في مطبوعة اسبوعية كان جهاز المخابرات ببغداد يمولها ويصرف عليها، قبل ان ينتقل الى صحيفة عربية اخرى، عقب غزو الكويت، ومن ثم انتقل الى براغ لادارة اذاعة امريكية موجهة ضد العراق، وينقل عن عدد من الذين عملوا معه في اذاعة أوربا الحرة، ان تحيته الصباحية لهم كانت كلمة (شالوم) حتى ان المشرف العام على الاذاعة وهو أمريكي، عنفه ذات مرة عندما سمعه يردد تلك المفردة اليهودية.

اما أسخف قرار اصدره الحاكم السابق قبل عودته الى واشنطن، قهو قرار يقضي باستمرار مستشار الامن القومي موفق رايز (ربيعي سابقاً) في منصبه لمدة خمس سنوات، وهذا يعني كما تقول صحيفه (واشنطن بوست) ان الحكومة العراقية المفترض ان تنتخب في مطلع العام 2005، لا تملك صلاحية اقالته.

وقد بلغ عدد القرارات التي اصدرها برايمر خلال فترة توليه حكم العراق 97 قراراً ستظل فاعلة ومعمولا بها حتى بعد نقل السلطة، ومنها انه عين عدداً من العملاء المحترفين لواشنطن في مناصب مؤثرة لاحراج الحكومة المؤقتة وتقييد وزرائها، كما تقول الصحيفة المذكورة وتنقل عن مسؤولين امريكيين بانه من الصعب الغاء تلك القرارات ولن يكون بمقدور رئيس الحكومة اياد علاوي تغييرها بسهولة لان ذلك يتطلب الحصول على موافقه اغلبية الوزراء، وعدد لا يستهان به منهم، عين من قبل برايمر نفسه.

وحتى ينجح أياد علاوي في تنفيذ المهمات والتعهدات التي قطعها على نفسه في بيانه الوزاري في الثامن والعشرين من الشهر الماضي ، بخصوص معالجة الانفلات الامني واعادة ضباط الجيش والشرطة الى الخدمة ممن سرحهم برايمر، وايجاد حلول سريعة لمشكلات البطالة والخدمات المنهارة والاقتصاد المدمر، وغيرها من الازمات الكثيرة التي خلقتها سلطة الاحتلال الغاشم، لا بد ان يكون بمستوى منصبه، ويلغي قرارات برايمر واحدا بعد الآخر، ويثبت انه رئيس وزراء فعلي على طريقة ( واشما يصير ..خلي يصير) كما يقول المثل الشعبي العراقي الدارج، والا فان أذناب برايمر سيأكلونه حتى العظم.