صورتان مؤلمة ومضحكة في المشهد السياسي العراقي
هارون محمد
ثمة صور مؤلمة برزت في المشهد العراقي خلال الاسابيع القليلة الماضية، وأخري مضحكة،
تؤشر حالات من التردي والانحدار علي مختلف الصعد السياسية والامنية والاجتماعية
والاقتصادية، حتي يخيل لمن يتابع ما يجري في هذا البلد المستباح، بان شلة الحكم في
واد، وما يحصل من احداث وتطورات وتداعيات في واد آخر، وهذه باتت حقيقة لا يمكن
التشكيك فيها، والامثلة بهذا الصدد كثيرة لايسع المجال لعرضها هنا، ونحاول التركيز
علي ابرز مظاهرها.
فعلي صعيد ازمة النجف اثبتت الحكومة المؤقتة فشلاً ذريعاً في معالجتها بطريقة
سياسية، وتهربت من مسؤولياتها عندما تراجعت عن اتفاق عقده مستشارها لشؤون الامن
الوطني موفق ربيعي مع مساعدي السيد مقتدي الصدر في الثالث عشر من الشهر الحالي،
وبدلاً من ان يعلن المستشار حقيقة ما حدث، وسر الاتصال الهاتفي الذي جاءه من بغداد
يحذره من مغبة التوقيع علي الاتفاق، طلع في مؤتمر صحافي وراح يعدد اسباباً واهية لا
تمت الي الواقع بصلة، قال انها افشلت الاتفاق ملمحاً الي مسؤولية الصدر في ذلك، رغم
ان معاونه في المفاوضات وهو هادي عامري رئيس منظمة بدر التابعة للمجلس الاعلي ابلغ
صحيفة كويتية بان قادة تيار الصدر ومسؤولـــــي جيش المهدي تعاونوا مع ربيعي
وتعاملوا بايجابية مــــع النقاط التي حملها، والمفارقة ان عامري هذا ظهــــــر
اسمــه في عضوية (الجمعية الوطنية المؤقتة) التي انبثقت عن اجتماعات ما يسمي بـ(المؤتمر
الوطني) وسكت ولزم الصمت بعد ذلك.
وآخر المعلومات تشير الي ان رئيس الحكومة المؤقتة اياد علاوي، سحب صلاحيات ربيعي،
وحولها الي وزير الدولة قاسم داوود وهو رجل اعمال كان يملك شركة تتعاطي في
المختبرات والادوية في ابو ظبي ويتردد انه شريك تجاري مع رئيس الوزراء المؤقت،
علماً بان علاوي لا يستطيع اقالة ربيعي من موقعه باعتبار ان الحاكم الامريكي السابق
بول بريمر قد عينه في منصبه لخمس سنوات ضمن قرارات اخري اصدرها قبل ان يغادر بغداد
بثلاثة ايام.
وفي محاولة مفضوحة من مؤتمر الملا معصوم المسمي بالمؤتمر الوطني، للتغطية علي
استعدادات القوات الامريكية للهجوم علي النجف، ثم ارسال وفد منه برئاسة حسين الصدر،
وهو رجل دين شيعي من آل الصدر في الكاظمية، وليس صحيحاً انه عميد آل الصدر، لان
عمادة هذه الاسرة محصورة بالصدريين النجفيين وليس الكاظميين، بدليل ان هناك شخصيه
اكبر منه وارفع مرتبة وهو آية الله حسين الصدر الذي زاره وزير الخارحية الامريكي
كولن باول في تموز (يوليو) من العام الماضي، وتبادل معه القبل الحارة في منزله
بالكاظمية، لم يتجرأ في يوم من الايام ويعلن نفسه عميداً لال الصدر، فالعميد
الحقيقي والفعلي للاسرة الصدرية في العراق وخارجه هو اليوم مقتدي لا غيره، شاء من
شاء.. وابي من ابي. وكان من الطبيعي ان يرفض مقتدي مقابلة وفد جاء ليس للحوار
والتفاوض كما يفترض، وانما لفرض ثلاثة شروط مجحفة، ولولا الناقلات المصفحة التي جاء
بها اعضاء الوفد الي النجف، لما فلت احد منهم من الغضب الجماهيري الذي استقبلهم.
ويتوهم الدكتور اياد علاوي اذا اعتقد انه قادر علي هزيمة مقتدي الصدر بالوسائل
العسكرية، فالاخير بات زعيماً شعبياً يلتف حوله الآلاف من الشبان والفقراء
والكادحين والجنود السابقين والنخب الثقافية والاجتماعية والعشائرية الشيعية، إضافة
الي التعاطف والتضامن اللذين أبداهما الشارع السني العربي تجاهه، وقد وضح ذلك من
حملة التبرعات العينية التي قام بها ابناء الفلوجة دعماً للتيار الصدري في النجف
ومدينة الصدر.
وعلي هذا الاساس فان الحل الوحيد المتوفر لدي علاوي اذا كان يملك القرار المستقل
فعلاً، لمعالجة ازمة النجف والمشكلة مع تيار الصدر، هو ان يذهب بنفسه ويلتقي مع
مقتدي وجهاً لوجه، ويتبادل معه الآراء ويناقشه بصراحة ويعترف له بصدق (هذه النقطة
اقدر عليها وتلك لا قدرة لي فيها) هكذا بلا تصريحات من وزير دفاعه قائد جيش شعلان،
ولا تهديدات ذلك الشاب الذي اتي من ولاية (ميشغان) وعين مترجماً للقوات الامريكية،
ومن ثم محافظاً للنجف، وبعيداً عن افتراءات مدير شرطة النجف.
وفي الحقيقة فان فشل حكومة علاوي في معالجة ازمة النجف، وحل المشكلات مع تيار
الصدر، سينعكس سلباً علي مستقبل هذه الحكومة، وهذه مسألة يجب ان ينتبه اليها رئيسها
خاصة، اذا اراد ان يستمر الي نهاية عمرها المقرر في مطلع العام المقبل، رغم ان هناك
احاديث تتداولها اوساط مقربة من الامريكان، تفيد بان البيت الابيض محبط من علاوي
الذي تعهد له بانه سينهي الاوضاع المتوترة في العراق في غضون اسبوعين من تسلمه
رئاسة الحكومة، وها قد مضي اكثر من شهرين دون نتائج ملموسة، وثمة شائعات في بغداد
تشير الي ان وزير الدفاع في الحكومة المؤقتة، حازم الشعلان هو المرشح الساخن
امريكياً لرئاسة الحكومة بدلاً من اياد، لانه في نظر واشنطن اقتحامي ومنفذ جيد
للتوجيهات والاوامر الامريكية يطيعها بلا اخذ ورد، كما يفعل علاوي في بعض الاحيان،
وتقول المعلومات ان اسمه بدأ يتداول في الدوائر والاجهزة الامريكية خلال الاسبوعين
الماضيين كرئيس للوزراء بعد ان تعهد بتصفية تيار الصدر وجيش المهدي بواسطة عشيرته (خزاعة)
التي ينتشر افرادها في منطقة الفرات الاوسط، وتحديداً في الحمزة والشامية
والديوانية اذا منحه الامريكان ترخيصاً بذلك.
ولعل الايجابية الوحيدة في احداث النجف المأساوية، انها اسقطت تلك الاكذوبة التي
سوقها الطائفيون والشعوبيون في بياناتهم ومؤلفاتهم بان السنة العرب اضطهدوا الشيعة
وحرموهم من حقوقهم وشتموا الدولة العراقية واتهموا بناتها وروادها الذي بذلوا العرق
والدم والتضحيات لتعزيزها والحفاظ عليها والدفاع عنها طيلة ثمانين سنة متصلــــة،
فها هي الاحداث تؤكد بان من يضرب الشيعة ويهاجــــم النجف هم من الشيعة انفسهم،
ابتداء من رئيس الحكومة علاوي ونائب رئيس الجمهورية ابراهيم الجعفري مروراً بقادة
ومسؤولي المجلس الاعلي للثورة الشيعية الشريك في الحكومة، وانتهاء بوزير الدفاع
الشعلان ومستشار الامن الوطني ربيعي ومحافظ النجف عدنان الزرفي ومديـــر شرطتها
غالب الجزائري وقوات (الليفي والشبانة) الشيعية في المدينة المقدسة، التي يطلق
عليها تجاوزاً شرطة وحرس وطني.
وحتي لا نظل في المشاهد المروعة والحزينة، وكي نرطب الاجواء قليلاً، لابد من
التعريج الي مشهد آخر يتم الترتيب له حالياً بقدر من السرية والهدوء، ويتمثل في
(مكسب) جديد يعد واحداً من انجازات العهد الامريكي في العراق، ففي الافق ثمة (خبر
وجفية ـ منديل ـ وحامض حلو) مع الاستئذان من المطرب الفنان فاضل عواد، صاحب الاغنية
المشهورة، والمناسبة مصاهرة استكملت مستلزماتها بين الجزيرة والجبل، علي طريقة (هربجي
كرد وعرب.. رمز العقال والشروال) والعريس والعروس وهما يتوليان موقعين قياديين
(سيادي ووزاري) ينتظران ان تهدأ الاوضاع قليلاً، ليتمكنا من عقد العرس واقامة
الحفلات، ويقال ان بوش سمع بالخبر وبارك الزواج، ومن المتوقع ان يوفد مستشارته
للامن القومي كونداليزا رايز لحضور الافراج والليالي الملاح، وربما تحاول تجريب
حظها بالاستفسار من العروس ذات الحسن والدلال، الناشطة في الهندسة والاشغال، كيف
اوقعت بغازي قلبها، وتحيا الفيدرالية التي لم تقتصر علي النهب والسلب وتهجير عرب
كركوك من بيوتهم ومزارعهم واستيراد اكراد ايرانيين بدلاً منهم، وانما وصلت آثارها
الي التدخل في العواطف الانسانية والشخصية، وربطها بالاجندة السياسية، للاستحواذ
علي مزيد من المواقع والامتيازات بكل السبل والآليات.
كاتب عراقي يقيم في لندن