كأسك يا وطن
أحمد الحبوبي
كاسك يا وطن.. مع الاعتذار للشاعر محمد الماغوط
جمعتني الصدفة مع قنصل عراقي. حضر الي بيت احد الاخوان ليصدق علي وكالة لزوجة هذا
الاخ ودار بيني وبين هذا القنصل الحوار التالي:
ــ هل من الممكن الحصول علي جواز سفر عراقي؟ (أنا لا أحمل جواز سفر عراقي منذ سنة
1970).
ــ اجاب: نعم ممكن.. ولكن.. فأصخت السمع لاستوعب ما يجيء بعد (ولكن)،، عليك احضار
شهادة الجنسية العراقية التي تثبت انك عراقي.. او وثيقة الاحوال المدنية التي تصدر
عادة من الجهات الرسمية العراقية المختصة.. ثم تملأ استمارة ثم ثلاثة صور.. وتدفع
الرسوم.. ونحن تحت الخدمة.. مع ابتسامة.
ــ فقلت: ولكني يا أخي الكريم لا أملك شهادة الجنسية العراقية.. فأنا كما تعلم او
لا تعلم تركت العراق سنة 1970 بجواز سفر عراقي مازلت احتفظ به.. وان داري في العراق
قد دوهمت اكثر من مرة وتعرضت عائلتي للترويع وعبثت في اوراقي وكتبي وسرق وتلف منها
كثير.. لأنني كنت مطاردا من النظام السابق لانه يعتبرني من خصومه وسجنت اكثر من مرة
الي ان تركت العراق ناجيا بروحي.. وان شهادة الجنسية وغيرها قد فقدت او سرقت..
فقال.. بسطية يمكن الاعتماد علي شهادة جنسية أخيك.. فقلت.. وحال اخي كحالي تماما
فهو الآخر كان مطاردا وملاحقا ولا اظنه يملك او يحتفظ بشهادة الجنسية العراقية التي
تطلبها.. فقال اذا هات وثيقة الاحوال المدنية التي تبين حالتك الاجتماعية من تاريخ
الميلاد ومكان الميلاد والحالة الاجتماعية والوظيفية وما الي ذلك فقلت له.. ان هذه
الوثيقة لم يكن معمولا بها الي حين مغادرتي العراق وبالتالي لا املكها ايضا.
ــ ثم سألته: لم كل هذا الاهتمام الآن بشهادة الجنسية العراقية والذي اعرفه انها
(الشهادة) لم تنفع عشرات الالوف من العراقيين الذين طردوا من العراق وصودرت اموالهم
المنقولة وغير المنقولة بحجة ان اصولهم غير عراقية رغم انهم يحملون شهادة الجنسية
العراقية التي تتحدث عنها الآن.
ــ شعرت ان الرجل قد اسقط ما في يده.. ولكنه سرعان ما أجاب.. انت تعرف، استاذ ان
العهد السابق كان (قوميا) وقد اصدر كثيرا من جوازات سفر عراقية لعناصر غير عراقية
لاسباب سياسية (قومية).. ونحن الان بصدد التوثيق او التأكد من عراقية العراقي.. حسب
التعليمات وانه اولا واخيرا موظف ينفذ التعليمات.. فعاجلته بالقول صحيح انك موظف
تنفذ التعليمات التي تأتيك من بغداد حتي لو كانت ملاحقة او مضايقة او تصفية اي
عراقي يعتبره النظام السابق عدوا له او مصدر خطر عليه.. وقد تعرضت انا شخصيا لمثل
هذه الملاحقات تنفيذا للتعليمات.. فسكت ولم يعلق.. وعدت الي مسألة الجواز لأحسم
الامر معه.. وسألته عما اذا كنت استطيع السفر الي العراق بجواز سفر مصري.. فأجاب:
لا تستطيع ايضا الا بتأشيرة تطلبها.. فنكتب الي بغداد لاخذ الموافقة علي منحك
التأشيرة فإما ان توافق بغداد او ترفض.. فقلت باستغراب.. ترفض بغداد اعطائي
التأشيرة وأنا عراقي.. اجاب لان جواز سفرك مصري.. فقلت له.. ألا تعلم اخي الكريم ان
كل العراقيين (واقول كل لا بعض) الذين يديرون امور العراق الآن مع سلطات الاحتلال
(التحالف) من وزراء ومديري وخبراء وسفراء وامناء وشركاء.. ممن يبرطعون الآن في
العراق لا يحملون جوازات سفر عراقية ولا شهادات جنسية عراقية بل دخلوا العراق وهم
عراقيون بجوازات سفر اجنبية (غير عربية).. وتسلموا المناصب السياسية والادارية
والدبلوماسية والفنية وخلافها وهم حسب تعليماتك غير عراقيين فضحك واجاب مسرعا يا
سيدي انا موظف انفذ التعليمات كما قلت، نعم انت موظف نفذت بإمانة تعليمات العهد
السابق (علي بعضهم) وها أنت الآن تنفذ تعليمات العهد الجديد (علي بعضهم ايضا).
ــ أدركت صعوبة موقفي وان الحصول علي (جواز سفر عراقي مؤقت مدته سنة واحدة) اصبح من
المستحيلات.. فأنا لا املك شهادة جنسية تثبت انني عراقي ولا املك وثيقة احوال
مدنية.. ولا اظن ان عراقيا (مجنونا) سيتبرع ويقدم علي تقديم طلب يدعونني فيه الي
العراق تحت ضمانته وكفالته ومسؤوليته من انني سألتزم بالهدوء والسكينة ولا اقول بما
يعكر صفو الامن والامان الذي ينعم به العراق اليوم وانا بطبعي مشاغب وغير منضبط.
ــ وران صمت قصير قطعته متسائلا.. وما هو الحل اخي الكريم فبادر قائلا.. يمكن ان
ازودك بورقة مرور (لاسيه باسيه) استنادا الي جواز سفرك القديم وانت وحظك.. فسكت..
ثم سألته.. ان زوجتي وهي قريبتي ولكن جنسيتها سعودية كيف تدخل العراق مثلا.. اجاب..
ما يجري عليك كمصري يجري عليها كسعودية.. لا بد من التأشيرة او الدعوة وكلاهما
يأتيان من الجهات الرسمية في بغداد .. فأردفت قائلا ولكن الاجانب الذين يحملون
جوازات سفر اجنبية (غير عربية) سواء كانت امريكية أم انكليزية أم هولندية أم كندية
أم يابانية لا تنطبق عليهم هذه التعليمات.. فسكت الرجل.
ــ وهنا ادركت معني الشعار الذي رفعه الامريكان عندما قرروا غزو العراق او احتلال
العراق فقد كان الاسم الكودي للعملية (الحرية للعراق).
ــ ولا اكتمك أخي القاريء.. فقد عزت عليَّ نفسي وشعرت بالمهانة.. وكأنني بحاجة وانا
بهذا الموقف الي اثبات عراقيتي من خلال ورقة.. مجرد ورقة.. وانا بحضرة القنصل
العراقي.. الا تعسا لك من حياة وتنازعتني شتي المشاعر من غضب واحباط وقنوط الي الحد
الذي كدت ان افقد اعصابي وانفجر في الرجل فتمالكت نفسي وسيطرت عليها ولسان حالي
يقول ليس هذا القنصل هو المسؤول.. هناك خطأ كبير.. تراكم الي الحد الذي وصل اليه
عراق اليوم.. خطأ واخطاء كبيرة ارتكبت من قبل الجميع اوصلتنا الي الحالة التي نحن
عليها اليوم ويجب ان نتداركها سريعا والا سيضيع العراق.. ادرك القنصل ان الموقف
يقتضي ان ينسحب ويخرج من البيت سريعا تلافيا لتداعيات هذا الحوار.. وما ان خرج حتي
قفزت وراءه ورحت اصرخ بصوت عال.. اسمع ايها القنصل سأذهب الي العراق ولو زحفا علي
بطني.. فأنا لا اعرف لي وطنا غيره.. فلا انت ولا رؤساءك يملكون منعي من دخول وطن
قامت دعائمه علي جماجم ابائي وأجدادي.
ــ وانا هنا ادعو كل عراقي مغترب مثلي ان يشد الرحال الي هناك حيث المعركة الكبري
من اجل ان تتضافر جهود كل الخيّرين من ابناء العراق الغياري لاعادة بناء العراق
الجديد علي اسس جديدة.. عراق الحرية والكرامة.. عراق التآخي والمحبة.. عراق ليس فيه
عرقية او طائفية او مذهبية.. عراق كل العراقيين دون تمييز او تفريق.. يكون رديفا
لأمته العربية وعالمه الاسلامي والانساني وقد تحرر واسترد سيادته كاملة غير منقوصة
في ظل ديمقراطية وشفافية تكون الكلمة العليا فيه للشعب العراقي العظيم.
عراقي نزيل القاهرة
الزمان