العراق: عهد الاحلاف ولي الي غير رجعة
هارون محمد

يدعو موفق ربيعي الذي عينه الحاكم الامريكي السابق بول بريمر مستشاراً للامن الوطني في العراق المحتل، الي إحياء حلف بغداد الذي قوضه العراقيون بثورتهم المجيدة في الرابع عشر من تموز (يوليو) 1958 وأحالوه الي ذكري اليمة صدعت رؤوس الاستعماريين والرجعيين وأعداء العروبة والعرب، دون ان يدرك ان عهد الأحلاف قد ولي الي غير رجعة،
وان الاحتلال في العراق طارئ ومؤقت، وان الذين جاءوا معه او ساندوه لا مستقبل سياسياً لهم، وسيعود كل واحد منهم من حيث أتي، عندما يرحل الغزاة يجرون أذيال الخيبة والهزيمة، هذا ما يقوله الامريكيون أنفسهم وآخرهم السناتور الديمقراطي ويب الذي كان في زيارة لبغداد قبل اسبوعين وقال في تصريحات لشبكات التلفزة عند عودته الي بلاده (ان احتلال العراق خلق لنا ـ يقصد الامريكيين ـ مشاكل ما زلنا نتخبط فيها، واستمرار وجودنا هناك بشكل دائم عبر قواعد عسكرية او غيرها سيسبب لنا كوارث) علماً بان هذا السناتور مرشح من قبل هيلاري كلنتون ليكون نائباً لها في حال فوزها بالرئاسة في نهاية العام المقبل.
ولمن لا يعرف موفق ربيعي فان هذا الرجل فصل من حزب الدعوة لاسباب لسنا بصدد الخوض فيها، فافتتح دكانة طائفية اطلق عليها اسم (اعلان شيعة العراق) كانت هي البوابة التي عبر من خلالها الي العراق مع قوات الاحتلال، حيث عينه المستر بريمر عضواً في مجلس الحكم الانتقالي (المنقرض) ثم مستشارا للامن الوطني، وهو طبيب في الاصل ولكنه لم يمارس مهنة الطب الانسانية.
وواضح من دعوة ربيعي الي اقامة حلف استعماري جديد في المنطقة، انها دعوة امريكية الهدف منها محاولة تجميع دول فيها تقودها وترسم سياساتها وخططها امريكا ذاتها تحت ستار (الدفاع المشترك عن أمن المنطقة) وهو عنوان محسن لنظام الشرق الاوسط الجديد الذي تدحرج وسقط في تسعينات القرن الماضي، وانصرف عرابوه من امريكيين واسرائيليين الي تخطيط بدائل له تمثلت في احتلال الدول المناهضة للسياسات الامريكية بالقوة كما حدث للعراق وافغانستان وارهاب البلدان العربية والاسلامية تحت شعار الارهاب، واشاعة نظرية الفوضي الخلاقة وملء الفراغ، وكل من ليس معنا فهو ضدنا، الي آخر السلع الامبريالية التي تصدر بالحرب والاكراه علي طريقة (تريد ارنباً.. خذ ارنباً، تريد غزالاً خذ ارنباً) ومن يمتنع فالتهم جاهزة وقائمتها تطول.
وواضح ايضاً ان الدعوة الي اقامة حلف بقيادة واشنطن وفي هذا الوقت، الغرض منه التخلص من الورطة العراقية بأقل الخسائر، بعد ان وصل الاحتلال الي مآزق متلاحقة علي امتداد قرابة خمس سنوات، وسقوط (استراتيجية النصر) في العراق التي بشر بها الرئيس بوش ودحرتها المقاومة العراقية بامكاناتها المتواضعة التي لا يمكن مقارنتها تسليحياً وتقنياً مع ما تملكه القوات الامريكية، وعلي هذا الاساس فان صناع القرار في واشنطن يخططون للانسحاب من العراق صورياً من الباب ويدخلونه عملياً من الشباك، تحت مسميات أحلاف او معاهدات، وهنا لابد من التذكير بان الصفقة التي عقدها بوش مع نوري المالكي في نهاية الشهر الماضي حول وثيقة مبادئ التفاهم الثنائي تندرج ضمن هذا المخطط وتشكل مقدمات للحلف المشبوه، ويبدو ان الادارة الامريكية بدأت اتخاذ خطوات سريعة لتنفيذ الوثيقة (الشفوية) وتحويلها الي تحريرية في نهاية الشهر المقبل، بعد ان كان الاتفاق كما جري في الصفقة الهاتفية عبر الدائرة التلفزيونية المغلقة، ان تبدأ مباحثاتها في تموز (يوليو) من العام المقبل، وهذا يعني ان الامريكان مستعجلون ويريدون اعلان المعاهدة او الحلف الامريكي ـ العراقي الحكومي، اليوم قبل غد لاعتبارات تتعلق باستحقاقات سياسية وانتخابية تخص ادارة الرئيس بوش وحزبه الجمهوري، خصوصاً وان الاثنين باتا محكومين بعقدة الفشل في العراق ويواجهان ازمة مصداقية امام الرأي العام الامريكي الذي انتبه متأخراً الي حجم الخسارات الامريكية في العراق عسكرياً ومالياً.
وفي السياق نفسه فان الرئيس بوش يحرص ان يتم توقيع المعاهدة العراقية الامريكية ما دام نوري المالكي رئيساً للحكومة ومعه شخصياً، لان الاخير وهذا ما اثبتته الاحداث السياسية والميدانية منذ تسلمه رئاسة الحكومة، رجل لا يقول (لا) للامريكان ومستعد لتلبية كل ما يطلبون ويبصم بـ(العشرة) علي كل مشاريعهم ومخططاتهم ما داموا راضين عنه، ويدعمون اخفاقاته ويستمرون في حمايته وحجز كرسي رئاسة الحكومة له، ولعلها من المفارقات الغرائبية في زمن الحكومات الاصطناعية، انه لم يبق في امريكا مسؤول سياسي مدني وعسكري، او صحيفة او شبكة تلفزيونية او مركز دراسات وبحوث، دون ان يهاجم المالكي ويوجه اليه انتقادات وبعضها شخصي ومن العيار الثقيل، وهو ساكت يتلقي الضربات بأريحية وشفافية ـ كما يظهر ـ دون ان تبدر منه حركة او اشارة للدفاع عن نفسه في مواجهة سيل الهجمات الامريكية عليه، بينما نجده يهدد ويتوعد وينفخ عضلاته عندما يسمع بانتقادات تصدر من جهات عراقية معارضة او مقاومة للاحتلال، وكأنه كونداليزا رايس او روبرت غيتس او ستيفن هادلي، دون ان يدرك ان الارتهان في حضن المحتلين، سقوط اخلاقي قبل ان يكون سياسياً، وان العراقيين قد يغفرون لمن اساء اليهم وعاد الي صوابه بعد حين واعترف بذنبه، ولكنهم لن يصفحوا ابداً عمن اصطف مع اعدائهم ضدهم مهما كانت المبررات والذرائع.. وتأريخ العراق القديم والمعاصر يشهد علي ذلك، من ابن العلقمي الي نوري باشا السعيد، وبالمناسبة فان الاخير كان من الموقعين علي حلف بغداد المقبور.
ان الهزيمة التي مني بها الاحتلال في العراق، صارت واضحة ولم يعد امام الامريكان غير حزم امتعتهم واسلحتهم وصف دباباتهم ومدافعهم للانسحاب من العراق، ولن تنفعهم اقامة احلاف او معاهدات مع حكومات زائلة ومع اشخاص سيهربون قبل رحيل المحتلين، وما حدث في فيتنام قبل ثلاثين سنة تبقي مشاهده الاخيرة في الاذهان راسخة، والمؤشرات تؤكد ان تلك المشاهد سوف تتكرر في العراق بعد شهور قليلة او سنة او سنتين علي الاكثر.
لقد انتهي زمن الاستعمار وولت أيام الاحلاف، والشعوب الحية هي التي تقرر خياراتها ومستقبلها، والشعب العراقي حي وصاحب تاريخ وطني وقومي وتراث نضالي لا يمكن ان يحكمه احتلال أجنبي، وتقيده احلاف جائرة، وتقوده قيادات حزبية خائنة، لا يهمها غير انتفاخ جيوبها وأرصدتها