الإرهاب من وجهة نظر مختلفة
حسين الربيعي
" ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون " (8) الأنفال
إن الإرهاب الذي تحاول الولايات المتحدة ووسائلها الأعلامية والجارية في فلكها ، والساعية لإرضاءها وإرضاء أداراتها ، إن ترسم صوره في عقول البشر ، ليس هو الإرهاب الذي ينال منا لوحده ، فهناك إرهاب متخصص بالبنية التحتية للدولة (المجتمع) ، وهو الإرهاب لبذي تقدم على غيره من الإرهابات الأخرى في الحضور ، فقد يدأت أنطلاقته بعد الأحتلال مباشرة عن طريق كلمة السر (أشطح) ، فتمكن من أن ينال من أركان الدولة مالم يسنطع أن يناله القصف والعدوان ، أتياً على كل شيء .. لم يميز بين الأموال العامة والخاصة ، جارفاً في طريقه كل ماينفع الوطن والمواطن ، تاركاً خلفه أطلالاً لماضي ساهم فيه أجيال متعددة من الكدح والبناء والتضحيات .
إذاً .. يالصبر العراقيين على كل ما يعانون .. ومن أين مايكون أو يكونون ، فالقاتل ليس من حمل السيف ليجز به رقبة وحده ، وليس (بوكيمون) الذي جا مع بداية الأحتلال مستهدفاً حياة أمة وبقاء دين فقط ، ولم تكن الطائرات الحربية الأمريكية التي قذفت علينا ولاتزال بألاف من الحمم الجهنمية .. فقط ، وليست كل تلك الحروب التي تفننت في أستخدام أعلى مراتب الحقد والكراهية ضدنا ، وليس آولئل الذين يحملون النفوس التي تتربص بآمن أهلنا وشرفنا .
أنها غير تلك الملغمات أو المفخخات التي لاتعرف هوية صاحبها ، أو نية واضعها في أستهداف محتل بغيض ، أو قتل طالب مدرسة ، أو صاحب بقالية ، أو انها ربما تدمر مشفى أو عيادة طبيب ، أو تكون الغاية منا بث الرعب في نفوس اهل مدينة أو حي أو شارع .. إنه ليس هذا الإرهاب الذي يدك المباني ، ويفجر الأرض ... وهو ليس ذاك الذي يلون أرض شوارعنا اللون الأحمر القاتم .. لون الدم العراقي النقي حين تتحول أزقتنا التي توارثناها منذ الاف أو مئات السنين ، وبنينا بعضها في سنواتٍ عشرين .. تتحول لجداول من الدم الممزوج باللحم العراقي المفروم .. وربما المفحوم ، تلك القطع العراقي التي تشابه أجزاء من شريعة حمورابي ، أو بيتاً من ملحمة كلكامش ... وعلى العموم فإن هذا الإرهاب ليس وحده ما يتربص بنا .. حتى وأن كنا ندفن أمواتنا من الذين تذررت أجسادهم في قبر ٍ خاص أسمه القلب !
كل هذا آدمناه ، أصبح أفيون حياتنا العراقية التي لاتزال متمسكة بهويتها الوطنية ، وخصوصيتها العربية ، وعقيدتها الأسلامية ، ومشاعرها الأنسانية ، التي تعودت التسبث به كما تعودت أن تضيف لصمودها يومياً المزيد ، كما هي تزيد رقعة شهدائها فهي لاتوقف حملة أعراسها ، نعم فقد تعودت حياتنا العراقية المزج بين الحزن والفرح ... فلم يتمكن منها قتل وتدمير .
ولكن الإرهاب الآخر يتمترس بعنوان الإعمار ، يسلب ويسرق وينهب كيف يشاء ، تحميه (الديمقراطية) ، والبنود الدستورية ، والشرعية الدولية ، وقوات التحالف بقيادة جيوش الأمريكية ، والمؤتمرات الأقليمية ، والدول المانحة واللافطة ، وأخيراً التفاهم الأستراتيجي مع (الرئيس) بوش ... ففتتوا العراق لولايات ومقاطعات شخصية وفئوية .. ونهبوا الثروات ، ووقعوا المعاهدات والأتفاقيات مع شركات النهب والحرامية العالمية وغير العالمية ، قلبوا المدن رأساً على عقب ، أستباحوا بغداد بآلات الهدم والحفر فأحالوها لمدينةٍ بلا شوارع ... فالمدينة التي تموت شوارعها تتحول إلى جسدٍ هامد لاتمر في عروقه نبضة أو قطرة دم ، دمروا مجاري المياه الصافية والقذرة بحجة ...إعادة الأعمار ، فلم نحافظ على ماكان متيسراً ولا كان عملنا جاداً وحقيقياً ، وتحولت رائحة (العاصمة) التي كانت تتباهى بها منذ نشأتها أيام المنصور حتى سقطت في الزمن المقبور جراء بساتينها وحدائقها وشواطىء نهرها العظيم تفتح الأنفس والصدور ... إلى روائح كريهة ، وغبار متعالي ،وقاذورات تملىء كل الطرق المسدودة .. وغالبية المدن غير المسدودة ، وتلوث ظاهر ، وأكوام من التلال الترابية ، ومستنقعات من المياه الآسنة ، وكلاب وحيوانات سائبة .... أنه الفوضى التي سموها ظلماً (الخلاقة) .
الحق يقال أن الجالسين في الصف الثاني بعد الأحتلال ، لايقدرون على أكثر من هذا ، وهم كما يتصورون .. بل كما هي طبيعتهم التي نشأوا عليها لعشرات السنين بين شوارع (الغربة) في لندن وواشنطن ونيويورك لم تعلمهم التعامل مع هذا (الخراب) العراقي ، فالأخوة على الأقل كانوا قد سلموا بأنفسهم من حروب العراق وكوارثه ، ولم يشاهدوا ( ما عمره الأخيار بعد أن هدمه الأشرار) على حد قول صدام ، ولم يسهروا الليل يعملون تحت ظغط الخوف من أجهزة النظام ، والأخلاص الوطني الذي كان يفجر طاقات جبارة وعظيمة . الأخوة أعتقدوا أن تلك الأنجازات ( ثقافة دكتاتورية) تحتاج للأجتثاث على شاكلة أجتثاث البعث والدولة .
أنهم لايتمكنون أكثر من مد أيديهم للصف الأول من أصحاب نعمهم ، كي يفعل بها الأحتلال ما يشاء ، وأول مايفعله أن يمهر ببصماتهم على صكوك بيع حرية العراق وثروات أبنائه .. وعلى العموم فهناك صغار صغار يمدوا أياديهم لفضلات (المستكبرين) نتيجة جوع وفاقة ، وهناك صغار كبار يمدون أياديهم لفضلات محتل شيطان وحاقد من أجل المزيد من الطمع والثروة الحرام .