الأنسب أم النسيب ؟ والخبير أم القريب ؟
د.عبدالكريم هاني
من الشعارات التي يتغنى بها المسؤولون في بلدان العالم أجمع يتمتع شعار وضع " الرجل المناسب في المكان المناسب" بأكبر شعبية بين الشعارات الأخرى , إلا أنه لسوء حظه و حظ البلدان المبتلاة أقلها حظا في التطبيق ! و بالرغم من تبجح الكل بالحرص عليه و الإلتزام به في اختيار " الأنسب " كلما تطلب الأمر اختيار احد لعمل أو وظيفة ما إلا أن الصدفة الخبيثة تصر في أغلب الأحيان على أن يكون هذا المناسب نسيبا أو قريبا , و بالرغم من كل الإحتياطات التي يتخذها صاحب القرار و بكل الموضوعية التي يزن بها قراره فإنه لا يجد شروطه الحيادية و الموضوعية تنطبق إلا على هذا النسيب!!!
عندما استقر الأمر للولايات المتحدة, و ابتلع العالم اعتراضه السابق فرضخ و وافق بناء على طلبها على تسمية وجودها في العراق احتلالا بالرغم من اعتراض بعض أنصاره ( العراقيين ) على هذه التسمية وغضبهم على كل من يستعمل هذا الوصف الى حد أن يكتب أحدهم " هو تحرير و إن قال العالم كله . . . غير ذلك " " نعم . . . و إن قالت أمريكا ذاتها غير ذلك . . . ! و إن قالت الأمم المتحدة غير ذلك . . . ! " فعينت رئيسا للإدارة المدنية يعيد الى أذهان العراقيين ذكرى المندوب السامي البريطاني قبل ستة و ثمانين عاما. و ترقب العراقيون و العالم أيضا بقلق ما ستقرر هذه الإدارة لا سيما بعد كثير حديث عن احتمالات التقسيم التي كانت تتردد قبل الغزو, و تضاربت الوعود حول شكل المساهمة العراقية في الإدارة حتى وجد (المندوب السامي) الحل بعد طول لأي بتعيين ما دعاه مجلس الحكم , و سمح لهذا المجلس باقتسام ( السلطة ) بدلا من التقسيم ! فصرنا نرى كل عضو يتصرف بحصته من الكعكة بمعزل عن الآخرين .
ثم بدأ الحديث عن تشكيل وزارة وصفت آخر الأمر بأنها وزارة تكنوقراط و عهد بتشكيلها الى مجلس الحكم هذا . و لا شك عندنا أن كل عضو وضع نصب عينيه الشعار الذي بدأنا به الحديث فبذل قصارى جهده ليكون مرشحه لهذه الوزارة خبيرا بشؤونها عالما ببواطنها ليكون الأصلح و الأنسب لوزارة التكنوقراط هذه !! إلا أن الصدفة اللعينة إياها أبت إلا أن يكون هذا الخبير المناسب صهرا أونسيبا أو ابنا أو ابن أخ أو ابن عم . . الى آخر سلسلة المناسبين !!! وتكرر نفس الأمر في اختيار أعضاء اللجان المتخصصة و لاسيما لجنة إعداد مسودة الدستور التي توقعنا أن يكون اختيار الأنسب لها من أساتذة القانون الدستوري و فقهاء التشريع و خبراء القانون إلا أنه تبين أن هذه الصفات والخبرة و ما تتطلبه هذه المهمة الدقيقة التي يتوقف عليها مستقبل الأجيال القادمة لم تجتمع إلا لدى الأقرباء و الأنسباء !!!. و قد تعلمنا من إخواننا المصريين مثلا يقول " لعن الله شجرة لا تظلل على أهلها" .
و نعوذ بالله من شر حاسد إذا حسد .
10/10/2003
نشر في العدد 27 من جريدة الوطن في 21/10/2003