استيراد ملك
د. عبدالكريم هاني
ذكر أحد أنصار الملكية قبل أيام في إحدى الفضائيات العربية أنهم على وشك تشكيل وفد ليذهب الى الأردن و يطلب من الملك عبدالله الثاني ترشيح أحد أبناء الأسرة الهاشمية لعرش العراق ! ( معذرة , و لكن الأمر يذكرنا بتوجه مئات الأشخاص الى الأردن و استيراد جميع السيارات التي وجدوها في المناطق الحرة هناك ! ) و ذكر أن الإتحاد الذي أقيم بين العراق و الأردن عام 1958 لم يتم إلغاؤه , و لذلك فإن ملك الأردن يستطيع تعيين ملك للعراق بموجب أحكام دستور ذلك الإتحاد ما دام عرش العراق شاغرا بعد مقتل المرحوم الملك فيصل الثاني في 14 تموز 1958. و لعله يستند الى المادة الخامسة من دستور ذلك الإتحاد التي تنص على : [ (1) يكون ملك العراق رئيسا للإتحاد , و في حالة غيابه يكون ملك الأردن رئيسا للإتحاد . . . ] فإذا استند الى هذا النص فلا حاجة الى تعيين ملك جديد لأن ملك الأردن يصبح حسب ذلك النص ملكا لكلا القطرين ! و قد تحدث متحدث آخر في مناسبة أخرى فقال إنه لا حاجة للحديث عن دستور أو غيره لأن دستور 1925 ما يزال قائما! وينص على توحيد العراق و شرق الأردن عند وفاة أي من حاكميهما و لذلك فإن الملك عبدالله الثاني يصبح ملكا للعراق حسب ذلك النص ! لكن الذين وضعوا دستور الإتحاد عام 1958 لم يعرفوا هذا النص و لم يسمعوا به و إلا لأقروه و استندوا اليه
لكن الجماعة يغيب عنهم , أو لعلهم يتناسون , أن دستور 1925 قد ألغي صباح 14 تموز 1958 و قامت الجمهورية و اعترفت بذلك دول العالم و من بينها الأردن . كما أن العراق فد انسحب من الإتحاد في 15/7/1958 ثم جرى , بعد ذلك بسنوات , توقيع اتفاقية بين الجمهورية العراقية و المملكة الأردنية تمت فيها تسوية القضايا المعلقة بين البلدين نتيجة حل الإتحاد و بذلك يكون هذا الإتحاد قد ألغي بموافقة الطرفين المتعاقدين و لم يعد له وجود إلا في صفحات التاريخ .
لكن هذا الموضوع لا يستحق كل هذا العناء اليوم لأن الحكام لم يدعوا فرقا بين الملكية و الجمهورية في بلدان العام الثالث , فلقد أصبح رئيس الجمهورية ملكا , و إن كان غير متوج , و ذلك بالتجديد المتكررلإنتخابه رغم النصوص الدستورية التي تحدد مدة ولاية الرئيس بفترة معقولة, هذا إذا لم يختصر أنصاره الطريق و يعينوه رئيسا مدى الحياة ! و لئن كانت وراثة العروش في النظم الملكية محصورة بالأولاد و الأحفاد فإن (تقاليد وراثة المناصب) في العالم الثالث أوسع كرما , فشملت الزوجات و الأشقاء بالإضافة الى الأبناء و البنات مع نصوص تسمح بتعيين من يرث المنصب ( تمهيدا لانتخابه صوريا ) , تتساوى في ذلك النظم الثورية و الدستورية , الإشتراكية و الرأسمالية , ذات التعددية أو الحزب الواحد . بينما صارالملك في هذه البلدان يحكم و كأنه رئيس جمهورية رئاسية بالرغم من النص أن الملك يملك و لا يحكم . و إذا كانت النظم الجمهورية تتضمن إمكانية انتهاء ولاية الرئيس (نظريا على الأقل) بالإنتخاب فإن النظام الملكي لا يدع مجالا للتخلص من طغيان ملك منحرف إلا بالثورة مع ما يصاحبها من معاناة و فوضى و ضياع الإستقرار .
يبقى السؤال المعضلة بعد هذا كيف السبيل ؟ والسبيل القويم هو الدستور الذي يقره الشعب باستفتاء حر بعد مناقشة مستفيضة ليضمن المشاركة الشعبية الحقيقية في الحكم , و أن يكون مرنا بعيدا عن الجمود , و صلبا في نفس الوقت يقطع الطريق على استغلال الثغرات التي تفسح المجال لنمو بذرة الطغيان سواء كانت بذرة ملكية أو جمهورية . و إن كانت الضمانة الأكبر هي الرقابة الشعبية المستمرة التي تتحقق بوعي الشعب وتبصيره بالحقائق. و الله الموفق أولا و آخرا .
28/9/2003