استضعفوك فوصفوك

 

د. عبدالكريم هاني

 

أجاب السيد هوشيار زيباري وزير الخارجية  في الأسبوع الماضي عن سؤال حول الحالة في العراق أن الحالة اعتيادية و لا تثير قلق سيادته , و كان ذلك في اليوم الذي أعلنت فيه وسائل الإعلام المختلفة نبأ سقوط تسعة و ستين قتيلا في مدينتين و في يوم واحد , و لم يكن ذلك العدد يتضمن الضحايا الذين سقطوا في ست مناطق أخرى اشتعلت فيها نيران المصادمات في نفس اليوم . و في البلاد التي يتمتع فيها الإنسان بقيمة طبيعية فإن سقوط تسعة قتلى في فترة زمنية أطول من يوم يسمى مذبحة , أما سقوط تسعة و ستين في يوم واحد فلا يحرك لدى سيادته أي رد فعل , فذلك أمر اعتيادي ! و لسنا ندري كم يجب أن يبلغ عدد الضحايا الذي يريده سيادته ليعتبر أن الحالة قد أصبحت غير طبيعية تستحق منه و من المجلس الذي يمثله احتجاجا أو اعتراضا أو طلب تدخل الأمم المتحدة و تقديم الحماية .

صح النوم يا سادة .

أعلن السيد كوفي عنان أن على المجتمع الدولي أن يتخذ موقفا حازما من السودان إذا وقفت أمام إيصال مواد الإغاثة الى منطقة دارفور , و قد استبشرنا كثيرا بالصحوة المفاجئة التي دهمت كوفي بن شداد فاستيقظ على مخالفة لقواعد الإنسانية تقوم بها دولة ( إرهابية ) مثل السودان بصورة تستحق عليها أقسى العقوبات التي يحفل بها  القانون الدولي للمخالفين و لكننا تذكرنا للأسف قول أبي العلاء المعري يخاطب دجاجة وصفت لعلاجه من مرض ألم به فقال قوله الذي ذهب مثلا استضعفوك فوصفوك , كما تذكرنا بأسى غفوة سيادته عن مئات الضحايا يذهبون يوميا بسبب إرهاب الدولة تمارسه دولتا الإرهاب اللتين يعرفهما سيادته , و كذلك قيام هاتين الدولتين بإيقاع العقوبات الجماعية بحق مدن بكاملها و حصار يفرض على شعب بأجمعه و منع نقل المصابين الى المستشفيات أو تقديم الإسعافات اللازمة لهم أو قبول مراقبة دولية لما يجري هناك كما نص على ذلك قرار صدر عن المنظمة الموقرة , لكن سيادته لم يحرض العالم على ( أن يتخذ موقفا حازما ) منها بسبب استهتارها بالمنظمة و قراراتها .

اننا نذكر أن سيادته طار الى لبنان منذ سنوات عندما أسرت إحدى الجهات ثلاثة جنود من ذوي الدم الأزرق المختار و نعلم أيضا أننا نعيش في زمن الغطرسة الإستعمارية التي جعلت من هذا العهد عهد إهدار الدم العربي و لكننا كنا نتوقع من سيادته بأن يرفع الصوت أو الهمس على الأقل ليشعر العالم أن منظمة الأمم المتحدة ما زالت يقظة تحرص على إداء دورها في حفظ السلام العالمي و منع الحرب الذي قرره لها ميثاقها الذي اغتالته أيدي المستعمرين , و نمنحه العذر أن ذلك الميثاق في حديثه عن الحرب لم يذكر الحرب التي تشنها دولة هي الأعظم ضد مدينة واحدة .

نشر في العدد 77 من جريدة الوطن في 15/4/2004