سايكس بيكو ----- طبعة عراقية
د. عبدالكريم هاني
بينما كان الحلفاء في الحرب العالمية الأولى يحاولون جر العرب الى مشاركتهم في تلك الحرب و يمنونهم
بالخلاص من العثمانيين و الحرية و الاستقلال و وحدة الوطن العربي إذا ساعدوهم بالانتصار على
الخلافة العثمانية , كانت بريطانيا الشريك الأساسي في ذلك التحالف تدير تلك المفاوضات و تكيل
الوعود , و تعقد في نفس الوقت ( صفقات ) أخرى بعيدة كل البعد عن تلك الوعود . و انكشف المستور
بعد انتهاء الحرب , بل قبلها أحيانا , و خصوصا في القدس و دمشق اللتين دخلتهما الجيوش العربية قبل
جيوش الحلفاء , و أعلن الحلفاء التزاماتهم لبعضهم في قسمة الغنائم على وفق ما دعي " اتفاقية سايكس بيكو "
و وعد بلفور , فخرج العرب بخفي حنين يجرون أذيال الخيبة و يندبون الخلافة الإسلامية التي حاربوها و
ساعدوا الأعداء على قتلها .
و في كتب المطالعة في المدارس الابتدائية حين كانت المدارس تهدف الى تربية النشء قرأنا قصة لها دلالتها
, قصة القطتين اللتين اختلفتا على قسمة قطعة جبن سرقتاها من إحدى ( المعثرات ) فالتجأتا الى قرد لعله
يقسمها بينهما بالقسط ؛ و بدأ القرد فقسمها قطعتين ثم صار يقضم قضمة من كل قطعة يراها أكبر من الأخرى
و القطتان تنظران بحسرة الى غنيمتهما يبتلعها القرد قضمة بعد قضمة حتى أتى عليهما جميعا ! لكنني أشك أن
( السادة ) قد مروا بمدرسة تعنى بتربية النشء , و إن حدث ذلك خطأ فلا أظن أحدا منهم يفهم أو يريد أن يفهم
الحكمة منها , و إن فهمها أحد منهم فلست أظنه يبالي بشيء أكثر من حصوله على الحصة الأكبر حتى لو
أدى ذلك الى ضياع حصتهم جميعا .
تذكرنا كل هذا التاريخ , و الشيء بالشيء يذكر , حين سمعنا أحد ( السادة ) الجدد في ( العراق الجديد ) يطالب
حلفاءه بتطبيق الاتفاق الذي سبق و اتفقوا عليه سرا قبل ( التحرير ) في طريقة تقسيم الغنائم و دعاهم ( للوفاء )
بالتزاماتهم بموجب ذلك . الدعوة ( للوفاء ) نكتة ! و كلمة ( الوفاء ) بينهم نكته العهد الجديد ! كيف يكون لغادر وفاء ؟
و كيف ينتظر من باع الأمة و الوطن ( وفاء ) من شريكه في تلك الصفقة المشبوهة ؟ لكنهم جميعا يتلفتون الى
( الحليف ) الذي جمع الرأسين ( هل كان ذلك بالحلال ؟ ) و ربما كفل الصفقة ! لكن اللص الكبير انشغل بضمان
حصته و حصة ( حليفه الستراتيجي) الأهم عن الاهتمام بحصة الصغار .
فرنسا و بريطانيا في اتفاقية سايكس بيكو اتفقتا على قسمة ( غنيمة ) تعملان سوية للحصول عليها , و ليس لأي
منهما فيها نصيب قبل ذلك , لكن القطتين جاءتا تحملان غنيمتهما المسروقة الى القرد و ( السادة ) في اتفاقهم
وضعوا بلدهم في ميزان القرد الحديث و دعوه ليكون شريكا في حصصهم و حكما بينهم في قسمتها فكانوا
كالأبناء العاقين , يتفقون مع بلطجي ليقتل أباهم و يعدونه بنصيب في ميراث أبيهم يكافئونه به , ثم يختلفون
بينهم على قسمة ما تبقى و يبقون تحت رحمة البلطجي ما بقي من أعمارهم ! الفرق اليوم أن البلطجي الجديد
لم يكتف بحصته في الميراث بل استباح زوجة القتيل أيضا .