اللغة المضادة
د. عبدالكريم هاني
هذا التعبير استعرته من تعبير الثورة المضادة الذي سبق له ان أمن لنفسه مكانا مرموقا في القاموس السياسي الحديث و ما زال التعبير الجديد ينتظر الإذن من اللغويين ليحتل مكانه في ذلك القاموس . فبسبب حرب الإعلام التي أثبتت جدواها أشد من نيران المدافع و الصواريخ ظهرت كلمات مضافة تلحق ببعض الكلمات المتداولة فتوحي بمعاني لا تلاحظ مباشرة لكنها تؤدي مفعولها وتولد مدلولات جديدة تستولي على اللغة السياسية .
أبرز هذه الكلمات , و هي موضوع حديثنا اليوم كلمة ( غير الشرعي ), و التي يلتحق بها عكسها ( الشرعي و أخته الشرعية ) فتسمع مثلا تعبير ( الاحتلال غير الشرعي ) فكأن هنالك احتلالا ( شرعيا ) لعله ما ( ينعم ) به عراقنا اليوم , فالاحتلال لا يمكن مهما تحذلق المتحدثون أن يكون شرعيا لأنه يقوم على اغتصاب إرادة البلد المحتل و إاغاء سيادته , وليس يغير من ذلك ابتزاز المنظمة الدولية للحصول على قرار الاعتراف به بعد أن اضطرت دولة العدوان على الاعتراف بدور تلك المنظمة التي كانت تتجاهلها و تتحدث عنها بالسخرية قبل ذلك فعادت لاستجداء العون منها حين عجزت عن تحقيق النصر الخاطف الذي حسبت أنه سيؤمن لها تجاوز الإعتراضات التي تلقى العالم بها ذلك الغزو .. و يسألنا بعض دعاته هل ألمانيا محتلة ؟ لهم و لغيرهم نقول ان احتلال الإرادة الوطنية أقسى أنواع الاحتلال فلا وجه للمقارنة إلا إذا كان المقصود المغالطة , فليخبرنا هؤلاء هل يصول المستشارون الأميركان و يجولون في الوزارات الألمانية , و هل ينتظر البوندستاغ الإذن ( أو الأمر ) من واشنطن يحمله نائب الملك لتعلن النتائج التي انتظرها الناس أسابيع طويلة ؟
بعد ذلك أضيف تعبير الشرعية الدولية و بدا أن لهذا التعبير سحرا اكتشفته دولة العدوان بعد أن تعامت عيناها عنه طيلة أكثر من نصف قرن من عمر المنظمة , لكن هذه الشرعية تشبه السقوف المتحركة فهي تغطي الأعمال بصورة انتقائية و تظلل من تختاره دولة العدوان و تضلل غيرهم حسب الظروف , و حسب القرب و البعد عن خارطة الطريق التي رسمتها للعالم .
ألحقت هذه الكلمة بالغزو أيضا فسمعنا بـ ( الغزو غير الشرعي ) و كأن اقتحام قوات دولة ما لأراضي بلد آخر ( و هو معنى الغزو ) يمكن أن يكون شرعيا حسب ما يفهم من الوجه الآخر للكلمة حتى لو كان ذلك باسم ( التحرير ) المزعوم الذي يتمتع به أبناء العراق اليوم و الذي يسبح بحمده المنتفعون ليل نهار .
ألحقت كلمات ( غير الشرعية ) بالمقاومة أيضا قبل أن تلحق بها كلمة ( الشرعية ) و كلتاهما زيادة لا مبرر لها لأن المقاومة الوطنية التي تستهدف العدو شرعية دائما وتتمتع بـ( الشرعية الدولية ) و الأخلاقية و الدينية و القانونية و لا تحتاج الى تعريف إضافي . أما قتل الأبرياء و مهاجمة المدارس و دور العبادة و عمليات الخطف و السلب فهي عمليات مدانة و مرفوضة دينيا و أخلاقيا و لا يمكن أن تحسب على المقاومة إلا في محاولة الخلط المتعمد للأوراق و تضييع الحقائق عن الأنظار , و هي الحالة التي سادت في عمليات متعددة لا يمكن أن تحسب إلا على أطراف تحاول التضليل .
نشر في العدد 63 من جريدة راية العرب في 10/4/2005